المقريزي

343

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )

ثم نزل السّلطان في عشرين المحرّم إلى هذه العمارة ، ودخل خزانة الكتب التي عملت هناك ، وقد حمل إليها كتبا كثيرة في أنواع العلوم كانت بقلعة الجبل وقدّم له ناصر الدّين محمد البارزي ، كاتب السّرّ ، خمس مائة مجلّد قيمتها ألف دينار ، فأقرّ ذلك بالخزانة ، وأنعم على ابن البارزي بأن يكون خطيبا وخازن الكتب هو ومن بعده من ذرّيّته « 1 » . وفي سابع عشر شهر ربيع الآخر منها سقط عشرة من الفعلة : مات منهم أربعة ، وحمل ستّة بأسوأ حال . وفي يوم الجمعة ثاني جمادى الأولى أقيمت الجمعة به ولم يكمل منه سوى الإيوان القبلي ، وخطب وصلّى بالنّاس عزّ الدّين عبد السّلام المقدسي - أحد نوّاب القضاة الشّافعية - نيابة عن ابن البارزي كاتب السّرّ . وفي يوم السبت خامس شهر رمضان منها ابتدئ بهدم ملك بجوار ربع الملك الظّاهر بيبرس ، ممّا اشتراه الأمير فخر الدّين عبد الغني بن أبي الفرج الأستادّار ، ليعمل ميضأة ، واستمرّ العمل هناك . ولازم الأمير فخر الدّين الإقامة بنفسه ، واستعمل مماليكه وألزامه فيه ، وجدّ في العمل كلّ يوم ، فكملت في سلخه بعد خمسة وعشرين يوما . ووقع الشّروع في بناء حوانيت على بابها من جهة تحت الرّبع ، ويعلوها طباق . وبلغت النّفقة على الجامع إلى أخريات شهر رمضان هذا ، سوى عمارة الأمير فخر الدّين المذكور ، زيادة على سبعين ألف دينار . وتردّد السّلطان إلى النّظر في هذا الجامع غير مرّة . فلمّا كان في أثناء شهر ربيع الآخر سنة إحدى وعشرين ، ظهر بالمئذنة التي أنشئت على بدنة باب زويلة التي تلي الجامع اعوجاج إلى جهة دار التّفّاح ، فكتب محضر بجماعة المهندسين أنّها مستحقّة الهدم ، وعرض على السّلطان ، فرسم بهدمها . فوقع الشّروع في الهدم يوم الثلاثاء رابع عشرينه ، واستمرّ في كلّ يوم ، فسقط يوم الخميس سادس عشرينه منها حجر هدم ملكا تجاه باب

--> ( 1 ) جاء في وثيقة وقف السّلطان المؤيد شيخ على الجامع فيما يخص خزانة الكتب : « ويرتّب [ خطيب الجامع ] رجلا أمينا حافظا يكون خازن الكتب بالجامع المذكور يتولّى حفظ ذلك وضعا وبما فيه إصلاح من بعض وغيره كالعادة في مثل ذلك ، وأن لا يخرج من الجامع المذكور كتابا . . . مطلقا . . . » وحدّدت الوثيقة اسم متولّى الخطابة وخزانة الكتب وهو الإمام ناصر الدّين أبي عبد اللّه محمد الحسيني بن البارزي الشّافعي ، كاتب الأسرار الشّريفة الملكي المؤيّدي ، وهو ما يتّفق مع ما ذكره المقريزي هنا . وانظر عن بعض مقتنيات خزانة الكتب المؤيدية ( فيما تقدم 2 : 44 * - 45 * ) ؛ واللوحة المرفقة لظهرية كتاب « مسالك الأبصار في ممالك الأبصار » لابن فضل اللّه العمري .